الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

294

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسّلام : التحيّة . وتقدّم في قوله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ في سورة الأنعام [ 54 ] . و سَلاماً مفعول مطلق وقع بدلا من الفعل . والتّقدير : سلّمنا سلاما . و سَلامٌ المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : أمري سلام ، أي لكم ، مثل فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * [ يوسف : 18 ] . ورفع المصدر أبلغ من نصبه ، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات . ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم - عليه السّلام - ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام . قال ابن عطيّة : حيّا الخليل بأحسن ممّا حيّي به ، أي نظرا إلى الأدب الإلهي الذي علمه لنا في القرآن بقوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] ، فحكي ذلك بأوجز لفظ في العربية أداء لمعنى كلام إبراهيم - عليه السّلام - في الكلدانيّة . وقرأ الجمهور قالَ سَلامٌ - بفتح السّين وبألف بعد اللّام - . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : قالَ سَلامٌ - بكسر السّين وبدون ألف بعد اللّام - وهو اسم المسالمة . وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفه ( سلام ) فهو من باب اتّحاد وزن فعال وفعل في بعض الصفات مثل : حرام وحرم ، وحلال وحلّ . والفاء في قوله : فَما لَبِثَ للدّلالة على التعقيب إسراعا في إكرام الضّيف ، وتعجيل القرى سنّة عربيّة : ظنهم إبراهيم - عليه السّلام - ناسا فبادر إلى قراهم . واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه ، أي فما أبطأ . و أَنْ جاءَ يجوز أن يكون فاعل لَبِثَ ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ ، أي فما أبطأ مجيئه مصاحبا له ، أي بل عجّل . ويجوز جعل فاعل لَبِثَ ضمير إبراهيم - عليه السّلام - فيقدّر جار ل جاءَ . والتّقدير : فما لبث بأن جاء به . وانتفاء اللبث مبالغة في العجل . والحنيذ : المشوي ، وهو المحنوذ . والشيء أسرع من الطبخ ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف . و لا تَصِلُ إِلَيْهِ أشد في عدم الأخذ من ( لا تتناوله ) . ويقال : نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه . وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه ، وإنّما يكون